غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

214

تاريخ مختصر الدول

عن عماد الدين إلى سيف الدين . ورحل عماد الدين إلى عمّه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك لنفسه . وفي سنة ستّ وستين وخمسمائة تاسع ربيع الآخر توفّي الإمام المستنجد باللَّه أبو المظفر يوسف بن المقتفي وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وعمره ستا وخمسين سنة . وكان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية عادلا قبض على انسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصّين بخدمته وبذل عنه عشرة آلاف دينار . فقال : انا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله احبسه فأكفّ شرّه عن الناس . ولم يطلقه . وكان سبب موته انه كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين قايماز وصلبهما وكان قد اشتدّ مرضه . فاجتمع الطبيب بهما وأوقفهما على الخطَّ . فقالا له : عد إليه وقل له : انني أوصلت الخطَّ إلى الوزير وفعل ذلك . ثم دخل المذكوران على المستنجد ومعهما أصحابهما فحملوه وهو يستغيث إلى الحمّام وألقوه وأغلقوا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات . ( المستضيئ بن المستنجد ) ولما أظهروا موت المستنجد أحضر ابنه أبو محمد الحسن وبايعه أهل بيته البيعة الخاصّة يوم توفّي أبوه أي تاسع ربيع الآخر سنة ستّ وستين وخمسمائة وبايعه الناس من الغد في التاج بيعة عامّة ولقّب المستضيء بأمر الله وأظهر من العدل أضعاف ما عمل أبوه وفرّق أموالا جليلة المقدار . ولما بلغ نور الدين محمود ابن زنكي وفاة أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وملك ولده سيف الدين غازي الموصل وتحكم فخر الدين عبد المسيح عليه أنف لذلك وسار بجريدة في قلَّة من العسكر وعبر الفرات عند قلعة جعبر وملك الرقّة والخابور ونصيبين وحاصر سنجار وملكها وسلَّمها إلى عماد الدين ابن أخيه وأتى مدينة بلد [ 1 ] وعبر دجلة عندها مخاضة إلى الجانب الشرقيّ ونزل على حصن نينوى . ومن العجب انه يوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة فأرسل فخر الدين عبد المسيح إلى نور الدين في تسليم البلد إليه على أن يقرّه بيد سيف الدين ويطلب لنفسه الأمان ولماله وأهله فأجيب إلى ذلك وشرط ان فخر الدين يأخذه معه إلى الشام ويعطيه عنده اقطاعا مرضية . فتسلَّم البلد ودخل القلعة وأمر بعمارة الجامع النوريّ وسلم الموصل إلى سيف الدين وسنجار لعماد الدين وعاد إلى الشام واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح وكان مقامه بالموصل أربعة وعشرين

--> [ 1 ] - بلد وربما قيل لها بلط واسمها بالفارسية شهر اباذ مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ وبينها وبين نصيبين ثلاثة وعشرون فرسخا .